صبح أطلّ بعودة الطلّ

بسم الله الرحمان الرحيم
أحمدك ربّي على ما أنعمت عليّ بإخوة في دروب الغربة يسألون عمّا يؤذيني، و يرتاعون لغيابي، و يلتاعون لعذابي، و يرجون لي الخير كلّه، و أستغفرك اللهم إن قصرت عن الوفاء و ردّ الجميل، و عجزت عن الشكر الجليل، فإني عنه لكسير، فأنت ربي أعلم بي و بعجزي.
أخيّ ، يا ابن ديني!
– أسعدك الله فيما تؤمّل، و لا أفزعك ممّا تحاذر–
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
و الله لا أدري ما أقول و ما أكتب، بعد أن قرأت آخر رسائلكم " يا عودة الطلّ"، و مع أنه كان مرتجلا، إلا أني لمست فيه الرأفة بالرفاق، و الرحمة بإخوة الطريق، و أيم الله إنه خلق قد استقيتموه من مشكاة النبوة، فالله عزّ و جلّ قد مدح نبيّه بقوله:" بالمؤمنين رؤوف رحيم"
و لا أدري كذلك بأيّ أدب سأكاتبكم، فقد لازمني النثر المسجوع، حتى ما عدت أعرف السبيل لطرده عن قلمي، و اشتقت إلى السهل الممتنع، الذي أفصح به عن الطويّة، و أكشف عن الخبيّة، و يضحى به الإفصاح، كانبلاج الفجر بالإصباح.
و لا تحسبي أُخيّ – آواك الله إلى عطفه- أن غياب حرفي، و نأي طيفي، هو من تغيّر الصفاء، و تبلّد السماء.. أبدا و ربّ البيت، و لكني متابع لكل حروفكم، حتى التي لم تُكتب منها، و مرتقب لتلكم الحكم التي تطلقونها تدور في فلك الإهداءات. و من أعجب ما قرأت هناك:"الضمير صوت هادئ يخبرك أن أحدا ينظر إليك"
فهل أخبركم الضمير أني كنت أنهال على حروفكم انهيال الظمآن على مورد الماء ؟ !
و هل أخبركم الضمير أن عيناي اغرورقتا بالدموع حين وقفتا على " عزاء الحزانى" ؟ !
و هل أخبركم الضمير أن اللسان انعقد حين قرأ همستكم على صورة المهاجر ؟ !
و لا أجد غضاضة بأن أعلمكم بعظيم شفقتي حين أراكم تصابرون غربة أقلامكم، و أرى بعض حروفكم تكاد تختنق حين لا تجد العزاء و المواساة، فتذكرون تلك النسمة التي كانت تهبّ عليكم من جهة الغرب، فتبعثون إليها بالنور و الطلّ، رجاء أن تعود إليكم بالغذاء و الهواء و والدواء، و و الله لست بمقامكم، فأنتم أكرم و أنبل.
محنكم كثيرة و شديدة في عالم الأسرار، و يزيدكم حرفي بغموضه، و إحجامي عن التصريح، و اقتناعي بالتلويح، و والله لا نريد أن نثقل عليكم مع حرصكم على مشاطرتنا الحمولة، فلا زالت الطريق أمامنا و أمامكم طويلة و شاقة، فيكفيني من لدنكم القطرات القليلة، التي تصيب جوف الظمآن الذي بلغ به العطش مبلغ جفاف الروح..
" أنحن من آلامك ؟ ! أيعقل أيها الجليل ؟ !"
و هل يوجد عقل في الدنيا يفكر بمثل هذا، حتى و لو كان هذا العقل إبليسيا !! و متى كانت الملائكة من البشر التي تهب الناس النور و الضياء تؤلم غيرها، أبدا و ربي، فلستم من آلامنا، و لكنكم من آمالنا، و لستم قطعة من عذاب، و لكنكم جدوال عِذَاب، حروفكم في الأرض هي جنّات غنّاء بما لذّ و طاب، و في السماء هي كواكب بواهر، و نجوم سواحر.
" ثم مضى كحلم انقضى، و سار كطيف طار"
و ما مضى عن تلكم الأرض الطيّبة، إلا لأنه عابر سبيل، و ما هو بمقيم، نزل عندكم يطلب الزاد ليوم المعاد، و العزم ليقطع الطريق و يطوي الشُقَّة، فوهبتموه ما يكفيه و يزيد عليه، و نفضتم عنه غبار المسير، ثم شرع في عمرته الأدبية بالتيسير، فحين يقضي المناسك، سيتنحّى بحرفه، و يبقى عند الأعتاب يرمق سيركم، و يرعى نجوم حروفكم في ظلمة سماء الاغتراب الأدبي.
و أما سرّ الغياب، فليس أمرا مما يبعث العُجاب، بل هو مما يستوجب العتاب، إذ أنه تفاهة و سراب، و إن كنت قد هجرت القلم من مدّة، فلا أثر لمآثره لا هنا و لا هناك، و أعيش اليوم وحشة عسيرة بيني و بين الأوراق، فأخشى أن ينقلب الحال إلى انتكاس، فلذلك همّتي تعذّبني لأحمل نفسي على الاستقامة و التزكية، فلا أحب أن أكتب إلا إن آنست أن النور يغمرني، و الضياء وهبني بهجته، و البياض ألبسني رداءه...
لو أنصفته يا منصف.. هي رسالة إلى طنجة و من يسكنها، و طنجة تلهمني حبّ الأندلس، فمن الجزائر انطلق طارق بن زياد إليها، و منها قطع البحر إلى فتح الأندلس.
قد أزاح عزاؤكم عني الكثير من الغمّ، و أبهجني وَجَلُكم لغيابنا، فالحمد لله أن منّ علينا بأنواركم، و قد أخجلني عجزي عن الوفاء لكم، فيا رب مغفرة.
![]()

و كل شمعة تذوي احتراقا، لتزهر الأخرى بالآمال الفساح، و لا واحدة منها ستموت، لكنها قد تذبل فقط، و تبقى تنتظر عودة الطل ليرويها لتجدد حياتها، و يا عودة الطل !
كتبها زكي التلمساني في 11:19 صباحاً ::






الاسم: زكي التلمساني

