حبيبة
الحمد لله الذي برى ثم هدى، و قدّر الموت و الحياة ليبلونا أينا يعمل بالمثلى، و الصلاة و السلام على خير الورى، و الذي مصابنا فيه أعظم البلوى: " إنّك ميت و إنهم ميّتون"، انقطع الوحي و الهدى بانتقاله إلى الرفيق الأعلى، فكل مصيبة أمام مصابنا فيه تهون و تبلى.
أما بعد:
هو شهر قد انقضى مذ أن رحلت أختي الحبية "حبيبة"، و بقيتُ إلى اليوم لا أقدرُ على حمْلِ قلمي، فأيّ الكلمات ستسعني! و أيّ الكلمات التي ستصف عظم مُصابي فيها ! فهو مُصاب لم يفُقه إلاّ مصابي في سيّد الخلق عليه الصلاة و السلام، و أنا الذي كنت أقول بالأمس القريب أنّه لو كان ملك الموت يُخيّرنا لاخترت الموت عنها حتى تبقى هي لتزداد طاعة إلى طاعة، و قربا إلى قرب، غير أنّ القول قد سبق من الله لحبيبه عليه الصلاة والسلام:"إنّك ميّت و إنّهم ميّتون".
واكرباه ! قد أفل القمر الذي كان يضيء لياليّ العاتمات، فمن لي بنور من بعدها ؟!!
وايتماه ! فكلنا يتامى، فلم تكوني يا حبيبة لنا أختا فحسب، بل أمّا بحق.
واغربتاه ! قد رحلت صاحبة القلب الأبيض و اليد النقية، و إن يكن رحيلها قاس على القلب، إلا أنه كان راض مستبشرا لها خيرا، فقد رحلت و قد جمعت من الصبر و الرضا ببلائها ما نرجو أن يكون لها ذخرا، و كل من عرفها يشهد لها بذلك، و ما جنازتها المشهودة إلا أمارة خير بشهادة عباد الله المؤمنين، فما كانت إلا عروس زفّت إلى قبر لتقلى ربا راض عنها غير غضبان.
******
و سأعود بإذن الله لأكتب عن مصابي حين ينجلي الأسى و تزول سكرة الحزن، و ساعتها سأواسي الكئيب لفراق الحبيب.
و ممّا زادني ألما إلى ألم أن لا تجد من كانوا معك بالأمس إخوانا، تهبهم من روحك، و تفديهم من نفيس وقتك و مالك، و لم أر لهم أثرا حين انهدّت عزيمتي و تصلّبت قريحتي، و أضحيت اليوم أناضل من أجل البقاء واقفا، أما المشي، فهيهات هيهات، فقد أمسى عندي من ضروب الأحلام.
يا الله ! و ما عساي أن أقول و قد تكاثرت الجراح من كل جانب، فمن حبيب يرحل، إلى صاحب يطعنك غدرا و يرتحل في صمت بارد، أو أمّة غافلة اتخذّت كتاب الله وراءها ظهريا، أو اليهود تحرق المسلمين في غزّة و نحن لا نملك لهم حراكا غير القيل، و الله المستعان و لا حول و لا قوة إلا بالله.






























