الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبيّ بعده:
 
;
فهذا بعض هزيل ما يتصبّب من قلمي، و تركت سمينه مسوّدا على الصحائف البيض، التي أبت أن ترى النور حياءا حتّى يأتيهنّ خطّاب أكفاء أو أدفنهنّ مع ما ندفن من الألم و الأسى كلّ لحظة..
 
و اعلم يا قارئ كلماتي –رعاك الله- أنّ ما تجده بين يديك و أمام ناظرك هو ما خطّه قلمي ممّا أريد منّي، لا ممّا أردته، فقد عُلّمت أن أنتزع مواضيعي من وجوه من أتوا ليغترفوا من سلسالي، فأسقيهم به شرابا طهورا، و أقول لهم:""لا نريد منكم جزاءا و لا شكورا"."
و لا أدّعي فيه أني أُنزل منه آيات الإعجاز على نسق ما كان لعلمائنا العدول، و أدبائنا الفحول، و جريت فيه بين الاحتذاء و الابداع، بحسب ما لي من الوقت بالضيق و الاتّساع.. و لكن ما لا يخالجني فيه ريب قطّ أنّي بهذا الأدنى آسِر أرواح الصّادقين من بني السماء، فهم قد وجدوا في عينه حدّة الفراسة، و في عقله رجحان العلم، و في لسانه زيْن الأدب، زِدْ عليه ما جمعتنا به غربة الدّين و المبادئ في دروبها الضيّقة..
 
و لا زِلتُ أُداري نفسي كَي أركبَ قِطارَ العزيمةِ شاقًا الطريقَ عبرَ مَمَرٍ ضَيّق ينتهي إلى فناءٍ بساحاته جنّاتُ العلمِ، فيها ما لا عينٌ رأت و لا أذنٌ سمعت و لا خطر على قلب بشر.... و لا زِلتُ أهمسُ مِرارا قائلا أن شُعلةَ الأملِ لن توقد إلا في شمعدان العزيمةِ ولن تستنيرَ إلا بنورِ العلمِ.
 
 
و ليس من نيّتي استكثار الزوّار، و إنّما بذل النصيحة الصريحة، و لو عقلها عني خير واحد:""فلأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النَّعَم" الحديث".. و إنّي طالب للنصيحة كما أنا باذلها، فما أحقّ الغرباء أن يتقاربوا و لو على البِعاد، و يتآلفوا بحقّ زمن المحن الشِّداد، و لنسير في موكب من خيرة البشر، و نفتتح سيرة ليست ككلّ السِّير، فيها تلقّفٌ لأثر من غبر، و عبرة لمن أتى اليوم و تأخّر، لعلّه يحيا بعدها و يتذكّر… و الله وليّ التوفيق و عليه المعتمد.
 

 

 

حبيبة

كتبها زكي التلمساني ، في 30 يناير 2009 الساعة: 16:48 م

 

حبيبة

 

الحمد لله الذي برى ثم هدى، و قدّر الموت و الحياة ليبلونا أينا يعمل بالمثلى، و الصلاة و السلام على خير الورى، و الذي مصابنا فيه أعظم البلوى: ” إنّك ميت و إنهم ميّتون“، انقطع الوحي و الهدى بانتقاله إلى الرفيق الأعلى، فكل مصيبة أمام مصابنا فيه تهون و تبلى.

أما بعد:

 

هو شهر قد انقضى مذ أن رحلت أختي الحبية “حبيبة“، و بقيتُ إلى اليوم لا أقدرُ على حمْلِ قلمي، فأيّ الكلمات ستسعني!  و أيّ الكلمات التي ستصف عظم مُصابي فيها ! فهو مُصاب لم يفُقه إلاّ مصابي في سيّد الخلق عليه الصلاة و السلام، و أنا الذي كنت أقول بالأمس القريب أنّه لو كان ملك الموت يُخيّرنا لاخترت الموت عنها حتى تبقى هي لتزداد طاعة إلى طاعة، و قربا إلى قرب، غير أنّ القول قد سبق من الله لحبيبه عليه الصلاة  والسلام:”إنّك ميّت و إنّهم ميّتون“.

 

واكرباه ! قد أفل القمر الذي كان يضيء لياليّ العاتمات، فمن لي بنور من بعدها ؟!!

وايتماه ! فكلنا يتامى، فلم تكوني يا حبيبة لنا أختا فحسب، بل أمّا بحق.

واغربتاه ! قد رحلت صاحبة القلب الأبيض و اليد النقية، و إن يكن رحيلها قاس على القلب، إلا أنه كان راض مستبشرا لها خيرا، فقد رحلت و قد جمعت من الصبر و الرضا ببلائها ما نرجو أن يكون لها ذخرا، و كل من عرفها يشهد لها بذلك، و ما جنازتها المشهودة إلا أمارة خير بشهادة عباد الله المؤمنين، فما كانت إلا عروس زفّت إلى قبر لتقلى ربا راض عنها غير غضبان.

 

******

 

و سأعود بإذن الله لأكتب عن مصابي حين ينجلي الأسى و تزول سكرة الحزن، و ساعتها سأواسي الكئيب لفراق الحبيب.

 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

البصائر من ثورة الجزائر 1

كتبها زكي التلمساني ، في 20 ديسمبر 2008 الساعة: 11:30 ص

البصائــر

من

ثورة الجزائـــر

بمداد: زكي بن محمد المصمودي التلمساني

 

الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبيّ بعده:

وهدا رابطه على موقع ميراث السنة:

http://www.merathdz.com/play.php?catsmktba=1944 

لعلّ من أوْجبِ الواجباتِ التي علينا نحو شعوبنا أن نقرأ لها تاريخها المصفّى الذي به مادة حرّيتها و رفعتها، فنستخلصها لها و نسقيها إياها خالصة كبصائر لكل سائر، و منائر لكل ثائر، سلبت منه أرضه و قصدت عقيدته و لغته و تاريخه، فلا بدّ و أنْ يكون فيما بين يديه من أخبار ما مضى من النماذج التي يتأسّى بها حتى لا تزِلَّ له قدم، و لأنّ التاريخ عجلة تدور لتعود إلى مبدئها ، و أعداء هذه الأمة يتداولون المهام بينهم بحسب كبيرهم الذي علّمهم الشرّ، فلا خلاف بينهم إلا في مسمّياتهم.

قد عانى القطر الجزائري من ويلات الاحتلال الفرنسي لمدّة تزيد عن القرن و ثلثه، ضربت خلالها على شعبه الأسداد، فلم يرَ النور إلا إن تسلّل إليه خفية، و حجبت عنه كل بارقة خير، و سامت الأهل بالتقتيل و التجويع و الاظطهاد، و سلبت آساده كل قوة تتيح لهم عيش الكفاف، و شرّدت كل من دعا قومه إلى المطالبة بالحقّ المغصوب، و أبت إلا أن تجعل هذه البلاد الشريفة ذيلا ملحقا بفرنسا، و قد طالت ساعة البلاء على هذه الأمة حتى انهدّت أركانها لتنمحي رويدا رويدا معالم كينونتها، بلْ ‘كاد الزّمن أن يعفي على اسم الجزائر كما عفى من قبل على اسم الأندلس’، حتى أنّ أحد أبنائها من المثقفين قال أنه قد طاف بالقبور و لم يجد للجزائر أثرا، و عملت فرنسا بكل ما ملكت من الشر و أدواته لترسّخ في الأذهان و تلّقن الأفهام فكرة “الجزائر الفرنسية“.. بيد أنّ الله إذا أراد أمرا فلا رادّ له، و إذا أتت مدوده فلا موصد للأبواب في وجهها:” و الله متمّ نوره و لو كره الكافرون“، و بعد طول ليل النائبات بزغ فجر الثورة، و بعد المخاض العسير المؤلم خرج إلى الحياة شعب الجزائر بعد أن سلبت منه الحياة غصبا، و هو على أهبة ليختار المنيّة الرفيعة على الدنيّة الوضيعة، فيصفه أبو الحسن الندوي –رحمه الله- فيقول:”..لأولئك الذين يؤدّبون البربرية الفرنسية، في بقاع الجزائر الكريمة، و الذين تذكّرنا أعمالهم العجيبة، بأيام محمد صلى الله عليه و سلم و بأيام أصحابه البررة. أجل إذا كان هنالك في أيامنا خوارق حقا، فإن هذا الذي يصنعه إخواننا الجزائريون –في قلّة عددهم و عُددهم مع كثرة العدو الفادحة فيهما معا- إنما هو من أعلى طراز الإيمان و أغلاه، و لا عجب في شأن أهل الإيمان، فقديما قال فيهم ربهم:” كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، و الله مع الصابرين”. و لقد بيّض هذا الشعب وجه الجهاد و رفع رأس الإسلام الحق عاليا، و أحيا ذكرى حطّين و القادسية و قضى على أحلام الاستعمار بعد أن ظنّ أنها حقيقة أكبر من الحقيقة ذاتها.. و ليس غرضي من هذه السطور سرد وقائع بطولية يتشدّق بها القعدة ممّن يعيشون على فتات المجد حين عجزوا أن يكونوا آسادا، و لا ترجيح روايات تاريخية، أو تصوير ما أتخيّله و أشتهيه لحوائج في أنفسنا، و إنّما بغيتي رضا الله بأنْ نستخلص العبر لينتفع بها أولا من يجاهد لأجل تخليص دينه و أرضه و لغته من يد الأعادي كإخواننا في فلسطين و العراق و غيرها من الأقطار، ثم للأجيال اللاحقة ليروا معاني القوة من خلال استقراء التاريخ و استنباط الأحكام منه و نأيا بهم عن زحمة السرد الجاف.. فهذه بضع بصائر لمحها قلمي و تركت بعضها حذر التطويل، و ما لي أن لا أسطّرها “فمن أبصر فلنفسه و من عمي فعليها” و الله أسال التوفيق و السداد:

 

* الاستقلال يؤخذ غلابا و لا يعطى بالرضيّة: بعد أحداث الثامن ماي الفظيعة و التي راح من ورائها أكثر من أربعين ألف جزائري حين خرجوا مطالبين فرنسا بالوفاء بوعدها الذي قطعته بأن تمنح الجزائر استقلالها إن هي انتصرت و حلفاؤها في الحرب العالمية الثانية، فما كان منها إلا أن تجازي الإحسان بالعدوان، و تقتّل هذا الكمّ من البشر، و الثامن ماي هو “يوم مظلم الجوانب بالظلم، مطرز الحواشي بالدماء المطلولة، مقشعر الأرض من بطش الأقوياء، مبتهج السماء بأوراح الشهداء، خلعت شمسه طبيعتها فلا حياة و لا نور، و خرج شهره من طاعة الربيع فلا ثمر و لا نوْر، و غبنت حقيقته عند الأقلام فلا تصوير و لا تدوين..“، و حينها تيقّنت كل طبقات الشعب أن الحرية  و الاستقلال لا يؤخذان إلا بالقوة كما دخلت فرنسا بمنطق القوّة أول مرّة، و البادئ أظلم، و ما زاد اليقين رسوخا هو فشل الحزبية و صراع السياسة و تقاتل الأفكار، و كذا وصول أنباء انهزام فرنسا في معارك أخرى في العالم، فزالت أسطورة أنّ فرنسا قوة التي لا تقهرها أمة مستضعفة، فكل هذا هيّأ النفوس للانفجار و حمل راية الجهاد ضد العدو.

ذرِ الخوف تعرف ثنايا السلوك **** فمن هاب خاب و ضلّ الثنيّه

رأيت المنايا سبيل المنى **** فخاطرْ تصبْ مُنْية أو منيّه

إذا زلزت بالخطوب البلادُ **** فلا خير في حذر أو تقيّه

تولى زمان الرضى بالهوان **** و وافى زمان الفدى و الضّحيّه

أنصلى الجحيم، و نسقى الحميم **** و نرعى الوخيم، و نعطى الدنيّه

و من حولنا تستباح الدّيار **** و يخزى الصبيّ بها و الصبيّه

أتخضع للضّيم يا ابن الأباة **** و تطرق مستسلما للأذيّه

أما في عروقك أزكى الدّما ؟ **** أما في فؤادك أذكى الحميّه

و لا تنتصر للبكا بالبكا **** و تبدِِ الشكيّة عند الشّكيه

إذا كان كفّك غير سخيٍّ **** فماذا تفيد الدموع السخيّه ؟

 و نفسك بعها مع البائعين **** كرام النفوس لباري البريّه

قلتُ-زكي التلمساني-: و لا يزال من هو من رحم هذه الأمة يحسب أن العدوّ الذي دخل ظلما قد يعود من حيث أتى بالجلوس إليه على موائد للخيانة لإقناعه بحقيقة حقّنا الذي يجعله هو خرافة قد ولّت، و أقصى ما قد يصل إليه أن يمنحنا وعودا زائفة، و يجعل هو من خرافته حقيقة واقعية، و تُجعل معه قضايا العقيدة و الأرض و اللغة و التاريخ محلاّ للمساومات و التنازلات، و لسنا بحاجة لأن نجرّب كرّة أخرى، فلنا من الشواهد التاريخية ما يغنينا عن التجربة، و لنتيقّن من مبدإ القوة لاسترجاع ما أخذ منّا بالقوة عنوانا للنضال، و هؤلاء الرجال هم الذين بقوا من الأمس إلى اليوم ينخدعون بما انخدعت به أمم قبلهم من مفاوضات و معاهدات و مجاذبات سلبية خربة خراب ذمم اليهود و أشياعهم في العالم.

 

*جني غرس العلماء:   لقد كان العلماء على مرّ التاريخ هم زرّاع الخير و سقاة المغارس في هذه الأمة، و ما كثروا إلا كثرت البركة فيها، و ما نقصوا إلا كان أمرها ذا خطر، و جعلت مرصدا لكل سائمة ترومها بشرّ، فتبلوها و لا تجد من يدفعها عنها كما يدفعها عنها العلماء إذا حزبها أمر في دينها أو دنياها، و هذا ما علمه المستدمر، فعمل على التضييق على العلماء الصادقين، حتى رحل أغلب علماء الجزائر من النوابغ إلى المشرق، بعد أن امتحنوا و زلزلوا زلزالا عظي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

البصائر من ثورة الجزائر 2

كتبها زكي التلمساني ، في 20 ديسمبر 2008 الساعة: 11:15 ص

* القيادة المحنّكة الرزينة:  إنّ زمرة الشباب التي فجّرت الثورة كانت حَصَانا عن الحمق، رزانا عن التهوّر، و لا يعرف اليأس إلى قلوبهم سبيلا، فقد حسبت خطواتها و أعدّت العدّة كما ينبغي له مثل هذا الأمر الجلل، و يقول العلامة أحمد شاكر في وصفهم :”و هم رجال يعملون و لا يدّعون، و لا يتظاهرون و لا يخادعون الناس بشيء لم يكن، أو سلطان لهم لم ترضه بلادهم و شعوبهم، و هم قائمون على الدعوة إلى تحرير بلادهم..”، و قد تلقّوا الكثير من معالم القيادة من حركة الإصلاح التي بثّها العلامة عبد الحميد بن باديس  في المجتع، فنجده يقول في القيادة التي لا تتحكم فيها الأثرة الشخصية:”عندما تكمل في القاعدة أخلاق الرجولة، و يتّحدون في الإيمان بالمصلحة المشتركة، و في السعي لغاية واحدة، لا يحول بينهم و بين القيام بجلائل أعمالهم و البلوغ إلى غاياتهم ما تقلّ السلامة منه بين البشر من الحزازات الشخصية.

و بالرغم من فتوتهم، و نأي أسمائهم عن الشهرة، إلا أنهم كانوا أهلا لتفجير الثورة بحكم عدّة أسباب منها:

- نبعوا من الشعب و عرفوه في مدنه و قراه و أريافه.

- ساهموا في صنع الكثير من الأحداث منذ عام 1945، غير أنّ أيديهم لم تظهر و لم يسمع لهم حسّا حتى فجّروا الثورة.

- تكوّنوا في المنظمة الخاصة العسكرية.

- مارسوا التعامل الاستعمار و مناوراته.

- درسوا في عدّة مناسبات أسباب فشل الانتفاضة و المقاومة في الماضي.

 

* النفير الكامل: سئل المجاهد الكبير الفضيل الورتلاني عن حقيقة الثوار في الجزائر و عن عددهم فقال:”نعم يستطيع جميع أهل الأرض أن يعرفوا من هم الثوار في الجزائر حقيقة، بل تستطيع أنت أن تلقاهم بأشخاصهم، و أن تراهم بأم عينك، و أن تتحدث إليهم و يتحدثوا إليك، و السر أو السبب البسيط جدا، ذلك لأن الثوار في الحقيقة هم جميع أبناء الأمة من رجال و نساء، و كبار و صغار، و أغنياء و فقراء، و علماء و صعاليك، و لا شيء من المبالغة في هذا مطلقا..”. هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن تدرك اليوم أن الثورة الجزائرية كان بطلها هو الشعب كلّه و لم يعرف لها رجل رمز كباقي الثورات، و أنه قد نفر بكل طبقاته و انخرط فيها، فمن لم يكن مقاتلا كان عينا على الأعداء، و من لم يكن كذلك كان معينا للمجاهدين بالمعونة و الحماية، و كل كان له يد في تحرير البلاد، و هذه حقيقة لا تنكر، و منه فلا معنى لما نراه اليوم لمنظمات المجاهدين و أبناء المجاهدين و أبناء الشهداء و أصهار المجاهدين و جيران المجاهدين، فكل ذلك من باب أكل أموال البلاد بالباطل، فمن جاهد إنما يجاهد لله، و كل الشعب انضوى تحت لواء الجهاد إلا فئام من الناس أبت إلا الولاء لفرنسا التي أدركت هذه الحقيقة، فعملت على عزل الثورة عن الشعب، حتى تذبل و تموت،  و زعيمها في ذلك مثل يشبّه الثورة بالحوت و الشعب بالماء الذي يحويه، و من أراد أن يفني الحوت فعليه أن يُغِيرَ على الماء إلى أن يهلك الحوت، و من ثمّ ركنت فرنسا إلى الإبادات الجماعية و التقتيل الوحشي، ضاربة بكل مبادئ الإنسانية التي تتزعمها في المحافل.

زد على ذلك أن كلمة الشعب كانت هي كلمة جبهة التحرير، فكل تعددية أُجلّت إلى ما بعد الاستقلال، و ذلك حتى لا تقوم القطيعة، ففريق يجاهد، و فريق يهادن، و فريق يوالي، و كل ذلك من الشرّ الكبير.

 

* نبذ التحزّب و الفصائل:

لم تسمح جبهة التحرير الوطني لأي حزب أو تشكيل سياسي بالانضمام إلى جبهة النضال، بل كان شرطها أن يدمج فيها و يذوب بالكامل بداخل الشعب الصامد.

و ما كانت الحزبيات إلا لتفرّق شمل الأمة و تمزّق جامعتها و تبدّد جهودها، فمن شأن التعدد أن يبذر التحاسد و التباغض في نفوس الناس تجاه الحزب الآخر، و أن يشتدّ كلما وجدت بينهم أهداف مشتركة، لأن كل فريق يريد أن يستحوذ على الهدف وحده دون الآخرين، و إن وصلوا معه  لزمه أن يكون هو الرّاعي له، و إلا فالحرب بينهم أشدّ مما كانت مع عدوهم المشترك، و أقلّ ما يقال عن ضرر الحزبيات ساعة الجهاد أنّها تؤخّر سيره إن لم تعدمه، و لن يُجنى من التمزّق إلا أن يكونوا لقمة سائغة في فم العدو، و لا يزال الناس إلى اليوم لم يعتبروا بهذه العبرة، فلا يزال هذا السمّ المبثوث بينهم قصدا يسري في أوصالهم، و يعظّمون حرمة التعددية الحزبية كحرمة بيتهم باسم الحرية و الديموقراطية ، و هم يقرؤون في كتاب ربّهم قول الله تعالى:” {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} و هذا التفرّق و التشرذم و التناحر بين الفصائل المنفصلة و القطائع المنقطعة ما يجعل اليوم دولة بني صهيون تنام قريرة العين نسبيا و هي تعلم أنّ كلّ من يهدّد راحة بالها لا يزال منشغلا بنفسه و لم يرتّب بيته!!    

و من بديع ما أنشده أمير شعراء الجزائر محمد العيد آل الخليفة في قصيدة كانت من إرهاصات الثورة المسلّحة:

و داوِ الميول بهدي الرّسول **** فقد مسّها طائف الطائفيّه

ذئاب الشّقاق عوت في البلاد **** فأين الرّعاة لحفظ الرعيّه ؟

أنزْعُمُ أنّا من المسلميــن **** و فينا بقايا من الجاهليـه ؟

عتبتُ و لكن عتاب الوداد **** و ألمعتُ لكن لذي الألمعيّه

                                                                                                                  

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

افتتاح دار الحديث بتلمسان

كتبها زكي التلمساني ، في 15 مارس 2008 الساعة: 17:13 م

 
 
 
أما بعد:
 
ففي خريف سنة 1937م، تأسست دار الحديث بتلمسان، منارة من منارات العلم التي كفكفت لتمسان بعض دمعها من فقدها لعلمها و علمائها الذين ثكلت بهم و درست النائبات آثارهم، فما كان من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلا أن تهدهد تلمسان على صدرها و تشفي حرقتها بدار الحديث و تسند الإشراف عليها لواحد من خيرة علمائها، العلامة الرحّالة المجاهد المصلح المحدّث اللغوي المؤرّخ الأديب الشاعر محمد البشير الإبراهيمي، و كان خير قائم عليها، فقد كان له به اثنا عشر درس في اليوم في شتّى الفنون و العلوم.. و اليوم الذي تأسّست فيه كان يوما مشهودا، و الاحتفال به مشهورا، قد وجدت صداه حتى في الصحف المغربية و التونسية، فقد دعا الابراهيمي علماء الجزائر من جميع أنحائها لحضور هذا الاحتفال وجعله على شرف ابن باديس ، كأنما ليؤكد اختيار الأمة ابن باديس لزعامتها، "و جميع الهيآت العاملة في الجمعية من مدرسين و شعب، و تمثلت فيه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بصورتها الحقيقية، و قدرتها الانشائية، و حضرها نحو عشرون ألفا من أتباعها، و وفود من تونس و مراكش، و قد أربكت هذه الجماهير السلطات الفرنسية و تركتها في حيرة من أمرها، فقادت الإبراهيمي وغيره إلى ساحة القضاء متهمة إياه "بالقيام بمسيرة غير مرخص بها، أما المسيرة المذكورة فهي أن أهالي تلمسان خرجوا إلى محطة القطار لاستقبال ابن باديس وغيره من العلماء القادمين من شرق البلاد وكانوا بين ستمائة إلى سبعمائة شخص ، وكانت المسيرة تضم حوالي ثلاثة آلف شخص.. وأقيمت المحاكمة وأدلى الشهود بشهاداتهم نافين عن الإبراهيمي أي دعاية لتلك المظاهرة..ولكن أهالي تلمسان محبة للعلماء وتشوقاً لهم نزلوا كلهم لملاقاة الضيوف وزاد الشيخ عليهم تأكيداً أن يتفرقوا وأبى الناس إلاّ مرافقة العلماء بالتسبيح والتكبير".
 
و قد وقعت على شريط مرئي قصير يصوّر جوانب من ذلك اليوم:
 
 
  

 
و هذه صورة لأبرز أعضاء الجمعية عند مدخل دار الحديث:
 
 
 
 
و قد أتحف كاهن الشعر، و كميت الطائفة الناجية، محمد العيد آل الخليفة بقصائد لقيت استجادة عند الحضور، واحدة منها سمّاها :"تحية دار الحديث" و التي مطلعها:
أحيّي بالرضى حرما يزارُ **** و دارا تستظلّ بها الديارُ
 
و هذا قصيدة أخرى لها أنقلها كاملة من ديوانه:
 
 
دعاك الأمل
 
 
نظم الشاعر هذه القصيدة في تلمسان بمناسبة حفلة تدشين دار الحديث
 
(قلت –زكي التلمساني- و لَكَمْ تعجبني هذه القصيدة برقّتها البادية، و نغمتها السارية، و ما فيها من التلويح للقيام بالثورة و الاستنهاض للأخذ بأسبابها، و من المعلوم عند عامّة العقلاء أن كل ثورة مسلّحة يجب أن تسبقها ثورة فكرية، و هذا ما دأبت عليه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فكيف ينكر فضلها و دورها المنكرون ؟!!!)
 
دَعَاكَ الأَمَلْ ******* لخَيرِ العَمَلْ
فخلِّ الونى ******* و قُمْ عن عجلْ
أضعنا المُنى ******* بفُرط المُهَلْ
فهلْ نفخةٌ ******* تُزيل الفشلْ ؟
و هل صرخةٌ ******* تهزُّ القُلل ؟
~~//~~
 
رجالَ الحِمى ! ******* حِماكم سألْ
فلبّوا الحِمى ******* كجُند نَسَلْ
و سيْل همى *******  وغيثٍ هطلْ
أراه احتمى ******* بكُم و احتفلْ
فحُلُّوا الحُبى ******* و شُدّوا العُضَلْ
و ضُمّوا القُوى ******* و لمّوا الكُتلْ
عَلاَمَ الجَفا ؟ ******* و فيم الدَّغلْ ؟
إِلامَ الوَنى ؟ ******* و مِمَّ الوَجَلْ ؟
و فينا دمُّ ******* صفا و استقلْ
دمُّ لم يُضعْ ******* سُدى أوْ يُطلْ
زكا في الأولى ******* زَكَوْا في الأُوََلْ
و منهم جرى ******* لنا و انتقلْ
و فينا يدٌ ******* أبتْ أن تُغَلْ
بها في الوغى ******* رددنا الغِيَلْ!!
و كمْ في العُلى ******* لنا من مَثَلْ ؟

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كنتم لأرواحنا إلا رياحينا

كتبها زكي التلمساني ، في 10 مارس 2008 الساعة: 16:36 م

 

 

أما بعد:

فهذه قصيدة من غرر الشعر العربي، و قد ذاع صيتها في الآفاق و تناولها العلماء و الأدباء بالقبول لجودة لفظها و معناها، فهي بكّاءة بحق، لا ينحبس أمامها دمع عاشق طاف به طائف الشوق، و مثل هذا يقوله حتى المفسّر النحرير، الحافظ ابن كثير، و لأهل المغرب قاطبة عناية فائقة بها، فقد تناولها العلماء بالشرح و التجلية في مجالسهم الأدبية، و بيّنوا براعتها البلاغيّة، و جودة صنعتها الشعرية، واستشهدوا بها في مسائلهم، حتى كادت أن تكون عروسا بنفسها، و ما أثبتّها على صفحات مدونتي إلا أنّ سحرها قد انسلّ إلى قلبي، و ما وجد الخاطر ما يردّه للطائف إلا هذه الأبيات، و كأنّ ابن زيدون قد كفى من بعده.

 

" فذاك بحتري المغرب قدأبدع في الأندلس، و كانت حينها جريحة تنزف، فما لنا أغرقنا الأقلام في دموع الألم، و غرقنا نحن في صمتنا و الأنين، و الأندلس قد كفكفت دموعها و تجرّعت مرّ الكأس، و دفنت مفاتيح الأبواب عند قدميْ ابن زياد، و أبت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

يا فرحة الذئاب، بل يا ضيعة النعاج !!

كتبها زكي التلمساني ، في 10 مارس 2008 الساعة: 16:18 م

المنظِّرون و الممهّدون للإرهاب المسلّح بالإرهاب الفكري و بتأصيل قواعده العلميّة و نسبتها إلى منهج أهل السنّة و الجماعة عادوا اليوم ليلبسوا إزارا عجيبا، و يتمثّلوا دورا غريبا، فإنّهم يدّعون مكافحة الإرهاب و يتصدّرون هيئاته، و لعمري من عاد إلى تاريخهم عرف أنّهم أهل تقيّة، إن أُعطُوا رضوا، و إن مُنعوا سخطوا، و ما خرجوا الخروج الفكري و المسلّح إلا حبّهم للغنائم و منازعة السلطة، فقد قال جدّهم الأوّل :"اعدل يا محمّد"، و لكنّ الحسرة كل الحسرة على أولئك الذين رُمُوا في نار الفتن حطبا يأجّجونها بهم، حتّى إذا رأوا أنّ "قواعد اللعبة" تغيّرت عادوا و تبرّأوا منهم.

 و لما رأيت أنّ مثل هذا الصنف ممن ينسب إلى العلم و الثقافة قد عرفوا في أغلب الأقطار بأنهم تارة يوقدون النار، و تارة يتظاهرون بإطفائها، حملت قلمي لأكشف حالهم و أجلّي أخبارهم، كما جلاّها لنا النبي صلىّ الله عليه و سلّم، و زبرت لذلك بضع مقالات واحدة منها ضمّنتها بهذه القصيدة، و لو لم يكن من حججها العلمية و رونقها الأدبي شيء –أعني المقالات- لكفى أن يكون أن هذا البيت حكمة سائرة تحكي حال الزّمان:   

 

تدبَّر تَرَ الأَضْدَاد فِي كُلِّ جَانِبٍ **** فَكَمْ مِنْ نِعَاجٍ أَُودِعَتْ لِذِئَابِ ؟!

 

 

 

 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

شظيّة

كتبها زكي التلمساني ، في 6 مارس 2008 الساعة: 12:06 م

شظيّة

 

(كتبتها على نِحْلة الأدباء، فلا تعجبّن من قسوتها) 

-أ-

..أما الأخيرة فليس لي عنها كلام فوق ما جادت به أقلامكم، غير أني أذره في أسفار، تنوء عن حملها البغال في الأسفار، و لا يعجبنّ أحد حين تقع عينه يوما على "زجر الرّعاع عن قرب اليراع"..
و هذه لطيفة من أحد تعليقاتي :
"
نحن بحاجة لأن نعرف قدر من يجاورنا، و بحاجة لأن نعرف لكبرائنا منازلهم، فواجب علينا أن نقدّم للناس أكفاءنا، و نبرز مناقبهم، و نعرض مآثرهم، و نشيع بينهم أسماء رموزنا و سيرهم العطرات، و نحتفي بهم في كل مجلس، هذا حتى يعرف الخلق مواردهم فينهلوا منها، و إن لم نفعل خذلنا الدين و الأدب..

آه لزمن صار يعقد فيه للأغمار منابر للإفلاس و موائد للنقاش، و دور للنشر، فيزبدون و يرغون، و هم و زبد البحر سواء، الكل يذهب جفاء.
آه حين صار يلمّع من تجارته ليس البيع/ الشراء، إنما القص/ اللصق، يأخذ من هنا كليمة و من هناك صفحة، و في هزيع الظلام قد يلتهم سفرا من الأسفار، و يضحى في السوق، و يكتب: بقلم: "ش.ش.إ فلان الفلان"، و هو يقصد: شيخ شيخ الإسلام فلان الفلاني.

) لكن هيهات هيهات لما يرجون، تعيش لهم الفطاحلة، يَنخُلون العلم و الأدب نخلا(

آه لمن خرجو علينا بفقه انقلابي، و قالوا ما هو ليس إلا نقد أدبي، فأهرفوا في الشريعة بما لم يعرفوا، و بهروا الناس بـ "الدال" أي دكتور، و إن نقّبت عن حالهم لكان الأوْلى بهم أن يصدّروا أسماءهم بحرف "الجيم" أي جاهل، و إنْ أبى واستكبر و جادل، فلا بأس بالتصغير "جويهل"، و لا نرضى بأقلّ من هذا.

آه لمن خرجوا علينا بكلام خسيء كالبعْرِ، و قالوا هو من فنون النثرِ، و أنشدونا بدعا من الشرِّ، و قالوا إنما هي من الشعر الحرِّ، و ملؤوا الرحاب بالغواية، و قالوا ألم تسمعوا بفنّ الرواية ؟ !!.
و إن ترجموا لهم، قالوا عن شرّهم أنه واحد من أعمدة الأدب، و باني النهضة، و الحق أن طول حياته و هو يحمل معولا يهدم الدين و الأدب و الأخلاق من أسّها، فلا ترك سقما إلا وكان فيه، و إن أمر و نهى، فهو إبليس يأمر بالمنكر و ينهى عن المعروف..

آه لمن جاؤونا بالرذيلة أطوارا، و ما زادونا بها إلا أوزرا، وقالوا ما نحن إلا نقتفي أثر نزارا.
آه لزمن صار للراقعي، -ولا نسب له مع الرافعي،- صولة و جولة، يجلُّونه كما يجلّ العميان أعورا بينهم، و أضحى للسوقي – ولا نسب له مع شوقي- أمسيات و أضحيات، ثم تركنا و رحل الإبراهيمي، و ما بقي أمامنا إلا البهيمي..

آه حتى قالت "آه": آآآآآه من شناعة ما رأت، و فظاعة ما سمعت..

و لولا أنّا نأتي نرى هنا و هناك من أجناد الأدب، و حماة العربية، و صناديد الشعر، لقلنا لهم جميعا إنا لله و إنا إليه راجعونا.

هذا موضوع في غاية الأهمية و الخطورة، ألا و هو تقديم الأكفاء و عرضهم للناس، وهم أحقُّ به من غيرهم، وهذا من واجبنا نحن طلبة العلم و الأدب، و ما لي إلا أن أقول لكم:
فهبّوا و أجيبوا..
والفعل دون الشامخات ركام !

- ب-

" …و ليس هو ترجّلُ فارس، إنما هو نزول له على أرض العراك، يصيح هل من منازل ؟ ، و لا يتوهمنّ متوهم أني سأغلق على نفسي في حجرة لأيام كما يفعل البعض، و ليخرجوا علينا بركام من الأوراق، ما تحويه لا يسمن و لا يغني من جوع، غير أن له باعا طويلا في حرفة اللصوصية، فيظطر أن يجعل غلاف كُتْبِه بألوان زاهية برّاقة، و ما عرفنا هذا التلبيس إلا في عالم الحيوان لاصطياد الحشرات، (تحمل وريقاتهم و كأنها كتب للتلوين، كلامهم هراء في الأبواق، حتى بكت له طبعات بولاق) و بعض هؤلاء - و للأسف -معدودون من الصف الداخلي، و لا يستهجن نار كلماتي إلا من في بطنه التبن، ألا فليقيئوه، و يكفي الله المؤمنين القتال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

القصائد البكر، في رثاء العلامة بكر (2)

كتبها زكي التلمساني ، في 20 فبراير 2008 الساعة: 10:20 ص

جـ- قصيدة لبلال بن إبراهيم فارس:

 

في ظهر هذا اليوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر الله المحرم لعام ألف وأربعمائة وتسعة وعشرين .. فجعت الأمة الإسلامية بفقد علم من أعلامها إنه الإمام الشيخ العلامة صاحب التصانيف الكبيرة والرسائل الشهيرة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله رحمة واسعة وجاد على قبره بمزون رحمته ومغفرته ..
بين العشاءين في يوم الثلاثاء الحزين تحدثت القريحة المكلومة رثاء للشيخ الفقيد رحمه الله، وها أبياتا تلفعت بالعاطفة وتسجت بالدموع وتزيَّت بالأحزان .. كتبها الفقير لعفو ربه ومولاه بلال بن إبراهيم الفارس

ياصاحِ قف ألهبتَ قلبيَ بالخبر ****  وسقيتني جامَ المصيبةِ في الأثر
وأسلتَ ماءَ العين حتى خلتُه****   مزن الفراق بمائه المرِّ انهمر
أو تَدرِ من ترثي إذِ انسلخَ الضحى*** أو تَدرِ من قد مات إذ قلتَ الخبر
الشيخُ بكرٌ ذو الوقار وذو التقى**** علمُ الهدى شيخُ الشريعة والأثر
آمنتُ بالرحمن جلَّ قضاؤه ****  لله شأن في القضاء وفي القدر
لكنني أبكي العلومَ شريفةً****   أبكي يمينَ الصدق واراها الحجر
أبكي رسائلَ كنَّ أمناً وارفاً****ريانةً بالعلم حَفلى بالدرر
أصَّلتَها فصَّلتَها حصَّلتَها****لله درُّك كالمحيط إذا زخر
كنتَ المحدِّثَ والرسائلُ ثرةٌ **** تأصيلُ تخريج ونسخ ٌمشتهر
كنتَ الفقيهَ ملكتَه بزمامِه**** شَهِدَت مسائلك الحسانُ بما خطر
في حلية العلماء كنتَ موفقاً**** سِفرُ التعالم كان دفعا للغرر
وبمدخلٍ أصَّلتَ مذهبَ أحمدٍ **** والبُلغةُ الحسناءُ كانت كالقمر
وبمعجم الألفاظ كنتَ مسدداً**** في النهي عن ما شذَّ معنىً واشتهر
وحراسةُ الفضل النبيل فضيلةٌ**** قد حزتَها في درةٍ لا كالدرر
هَدَمَت صروحاً هشةً لمنافقٍ**** عادت بنا الذكرى لدرتهِ عمر
والاختياراتُ الحسانُ صقلتَها **** شمخت فكانت ماتعاتٍ للنظر
كنتَ ابنَ تيميةٍ وكنتَ جليسَهُ****  لله دَرُّك راحلاً ترك الأثر
رباه هذا شيخُنا ضيفٌ أتى**** أكرم منازلَه وبَوِّئهُ الحُجَر
واجمعه في الفردوس مع خير الورى * وأَفِض عليه العفو شيخاً قد غبر

المزيد
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

القصائد البِكر، في رثاء العلامة بكر (1)

كتبها زكي التلمساني ، في 20 فبراير 2008 الساعة: 09:49 ص

 فضيلة

 

و ما يجدي الكلام و هو عزاء المكسور، و ما يغني القصيد و هو سلاة من بالحزن مغمور، فقدنا حَبْرًا لم أر بعد من يدانيه في زماننا في جودة التصنيف، و دقّة النظر و التقسيم و التصفيف، هو العلامة الفقيه الورع الزّاهد بقيّة السّلف، الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، و في هذا الخطب الجلل، ما طاقت الأقلام أن ترفع على عجل، وكان الدمع أسبق و أغزر من الحِبر، الذي كان مِسْكَ هذا الحَبْر، و لو كُتب ما أنزلناه دمعا على فقيد الإسلام و السنة، و بِكْرِ العلوم و اللّغى، لفاق السّفر الطاوي بعجائب و فجائع، و كيف لا نفجع و قد فقدنا جبلا راسيا لطالما آوت إلى كنفه كل فضيلة، فكان لها حارسا، للدعوة إليها حارصا،  و قد سبقنا بعض أهل الفضل بمراثيهم، و هي مبثوثة على صفحات ملتقى أهل الحديث و غيره، فارتأيت أن أثبتها على مدونّتي ريثنا تنحسر الفجيعة و نحمل القلم لنحفظ عهد هذا الرجل، الذي نشهد له أنّه كان على سبيل"محمد و الذين معه"

 

أ- مرثية فاخرة للأستاذ أحمد الحسني:

 

هذي الفضيلةُ من بكائك تشـهقُ *** ولربَّما من حزن فقدِك تزهـقُ
فلها الرزيــَّةُ والعزاءُ كــلاهما *** أو ما تراها بالمــدامعِ تَشرَقُ
تَبكيك "بكرُ" فأنت حارسُها الذي *** يحمي الحمى , ولصـونها يتأرَّقُ
هذا زحـــامُ ذوي العزاءِ ببابها *** وجـهٌ كئيب , أو فؤادٌ يخفـقُ
فلقد سقيتَ غراسها ورعيتَــها *** حتى استوت والعود عودٌ مورقُ
فتنــاثرت أزهارُها في عــالمٍ *** سيَّان مغربُه وذاك المشــرقُ
وبطيبها قد طاب ذكرك في الورى *** وكلاكما للعصر مسكٌ أعبـقُ
أحييتها من بعد أن مُدَّت لهـــا *** أيدٍ ملطخةٌ تكـــاُد تُمزِّقُ
فغزا مجـــاج يراعكم في وكرِها*** شُبهاً كأنَّ سوادهنَّ الفيلــقُ
فتصاعدت أنفاس كــلُّ فضيلة *** وإلى اجتماعٍ شملُها المتفــرقُ
وتمايست في بردها الــزاهي إلى *** كلُّ البقاع وعرفها يتنــشقُ
ما إن تخاف ولا نخــاف لعرضها *** هتكاً يُراد , وأنت حيٌّ تـرزقُ
فلأنت سهمٌ صائبٌ نُصمي بــه *** مَن بالرذيلة في البريِّة ينــعقُ
يا أمتي , هــــذا المصاب لمثله *** يبكي الدماءَ مغرِّبٌ ومـشرِّقُ
فليستقلَّ من الدمـوع وإن جرت *** كالمزن أو كالبحر ما قد يُنفِـق
ولتتسع منه الضلوعُ لحرقـــةٍ *** كنا بها لولا التجلد نُصعَــقُ
والعين منه لــــدمعة سلسالة *** من بعد بحر الفضل كم تغرورقُ
والأذن إن ضـــج العزاء بسمعها*** إن الجميع على الفضيلة مشفـقُ
بحر العلوم وحبرها إن لم يكـــن *** سباقة فيــــها فما إن يسبقُ
فانظر لمسرد كتبه يــــاحسنها *** فكــــأنها التَّيّـَارُ إذ يتدفقُ
واقرأ له تعلم بأنَّ غبـــــاره *** في العلم ليس من السهولة يُلحقُ
فقـــهٌ يساير

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ويح البشر من نذير حبس المطر

كتبها زكي التلمساني ، في 11 فبراير 2008 الساعة: 14:12 م

بسم الله الرحمان الرحيم

الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبيّ بعده

 

وَيْحَ البَشَرِ مِنْ نَذيرِ حَبْسِ المَطَرِ

كتبه: زكي بن محمد مصمودي التلمساني.

 

 


 

تأخَّر الغيث هذا العام و استبطأ، و امتزج الصيف بالخريف و لحِقَ بهما الشتاء، و النّاس في كل هذا في غفلة ساهون، فما وَعَظَتهم الأيام و لا السّنون، و لا زجرتهم النكبات و المنون، فالشرّ في زيادة و الخير في نقصان، و فسدت أحوال الناس و عقائدهم و أخلاقهم، و تنغَّصت حياتهم تبعا، و هذه سُنَّة الله التي سَنَّها، و لن تجد لسُنَة الله تبديلا، و لن تجد لسُنَّة تحويلا.

و إنّ ما نُعايِنُه اليوم من الجفاف و قلَّة الأمطار، و غَوْرِ الماء و الأنهار، و نقص من الزرع و الأثمار، و ظهور الفساد في البر و الأبحار، و فشوِّ الفقر و الجوع في شتّى الأقطار، إنَّما هو جَنْيٌ لِما كسبته أيدينا، و لا علينا أن نُساقَ وراء تأويلات ماديَّة، و رَدِّها إلى الطبيعة، و القعقعة بأسباب كالإنخفاضات الظغطية، أو التقلبات الجوية، و هذا لنأمن مكر الله، و لأنَّ الحقَّ سبحانه يفنّده قائلا في مُحكم كتابه:"ٍ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41] و قال:" وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ" [الشورى:30]،

و إنَّ أشدَّ ما كسَبَته أيدي الناس تفريطهم في دِينهم الذي هُوَ عِصمةُ أمرهم، بَدْءا من العقيدة التي أضْحَت تُنالُ و تُسامُ بأمْضَى السهام، و آخرون يَنظُرونَ و لا يُحرِّكُون، و طَغَتْ رَواسِبُ الشِّرْك و رُفِعَت شعائر البدع، فَسَرَى الإلحاد و الكفر بإسم الحداثة، و انتشر الفجور بإطلاق الحريات بإسم الديموقراطية، و إنّ أي انحراف على هذا النحو هو مُوجِبٌ لسخط الرحمان، و مُوذِنٌ لزوال النعمة و مَحْق البركة، يقول المولى جلّ جلاله:" وَ لَوَ أنّ أَهلَ القُرَى آمنوا و اتَقَوا لَفَتَحْنَا عَليهِم بَرَكَات مِنَ السَّمَاء و الأَرضِ وَ لَكن كَذَّبُوا فأخَذْنَاهُم بِمَا كَانوا يَكسِبُون" و لا يفتأ سبحانه في تذكيرنا بضرب الأمثال:" وَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَريةً كَانت آمِنَةً مُطمئنَّة يَأتيها رِزقُهَا رَغَدًا مِن كُلِّ مَكَان فَكَفرَت بِأََنْعُمِ الله فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسِ الجُوعِ وَ الخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصنَعُون" و تأمَّل في الآيتين كيْفَ جاء التعليل بالباء السببيَّة، وَ ذلك في قوله:" بما كانوا يكسبون" و في الثانية بقوله:" بما كانوا يصنعون"، فالتحليل العقدي فيهما جلي كالشمس في رابعة النهار، و مردّ العقاب إنما هو جزاء لخلل في العقيدة، " لكن كذََبوا" أي كفر التكذيب، و في الأخرى كفر النعمة بقوله:" فكفرت بأنعم الله".[i]

 

و يأتي إبليس ليُلبِّس على بَعض ضِعافي الإيمان و هَشِيشِي العقيدة، فيقولُ بلسانهم: فما بالُ بلاد الكفر فيها من أصناف الكفر و الفجور ما لا يخفى، و عاثت في الأرض فسادا، و رَدَّت الحق إعراضا و عِنادا، وَ هُم في عَيش هنيئ و رخاء مَريء، و تتدفقُّ عليهم الخيرات من كل حدب و صوب !!

فيقال: أنَّ لِلَّهِ في ذلك الحكمةُ البالغة التي لا تدركها عقولنا القاصرة، و ليمتحننا أنثبت أم ننقلب على أوجهنا، نخسر الدنيا و الآخرة، فهي فتنة لنا، و استدراج لهم و إملاء، كما قال سبحانه في عالي سماه:" سَنَسْتَدرِجُهم مِنْ حيثُ لا يعلمون، و أُمْلِي لهم إنَّ كَيْدي متين" {القلم: 44-45} و يشهدُ له ما رواه عقبة بن عامر رضي الله عنها مرفوعا:" إذا رأيتَ الله يُعطِي للعبدِ من الدّنيا على معاصيه ما يحبّ فإنما هو استدراج، ثم تلا:" فلما نَسُوا ما ذُكِّروا به فتحنا عليهِم أبوابَ كُلِّ شيء حتَّى إذا فرحوا بما أُوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مُبلسُون" رواه أحمد. و المؤمنون الراسخون لا يتعدّون ما قاله سبحانه تَوَعُدا ": و لا تحسبنَّ الله غافلا عمَّا يعملُ الظالمون، إنَّما يُؤخرهم ليوم تَشْخَصُ فيهِ الأبصارُ مُهْطِعِينَ مُقنعي رؤوسهم لا يرتدُّ إليهم طرفهم و أفئدتهم هواء" فلا ينبغي لمؤمن آمن بالله ربا و بالإسلام دينا و بمحمد صلى الله عليه و سلّم نبيا و رسولا أن يغترّ بهذه الأمم الحاضرة، و ليتَّعظ بالأمم الغابرة، و إنَّ له فيها أبلغَ مُدَّكَر.

 

و مِن أسبابِ القحط و الجَدْبِ استفحالُ الذنوب و المعاصي استفحالَ النَّار فيِ الهَشِيم، و صارت المجاهرة و التبجح بِها مُروءة، و حَظْوَة لصاحبها بمنزلة مرموقة، و رُكِبَ الفسوق و الفجور من السِّحْرِ و عقوق الوالدين و أكل الربا و مال اليتيم و شرب الخمر و استحلال المعازف و تعرِّي النساء با

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb




التالي



 

من يُسكت الليث و يسكنُ ؟ ****  إنّ  هدوء  الليث  لا  يمكنُ<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />

غاب عن الغاب فلا موطئ *****  يرضيه كالغاب و لا موطنُ

دعوه  يزأر   واثبا   بعدها ***** فالزّأر و  الوثب  له  ديدن

نوّح طير الرّوض من حوله ***** و صوّح الزنبق و  السّوسن

كاهن الشعر