أما بعد:
ففي خريف سنة 1937م، تأسست دار الحديث بتلمسان، منارة من منارات العلم التي كفكفت لتمسان بعض دمعها من فقدها لعلمها و علمائها الذين ثكلت بهم و درست النائبات آثارهم، فما كان من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلا أن تهدهد تلمسان على صدرها و تشفي حرقتها بدار الحديث و تسند الإشراف عليها لواحد من خيرة علمائها، العلامة الرحّالة المجاهد المصلح المحدّث اللغوي المؤرّخ الأديب الشاعر محمد البشير الإبراهيمي، و كان خير قائم عليها، فقد كان له به اثنا عشر درس في اليوم في شتّى الفنون و العلوم.. و اليوم الذي تأسّست فيه كان يوما مشهودا، و الاحتفال به مشهورا، قد وجدت صداه حتى في الصحف المغربية و التونسية، فقد دعا الابراهيمي علماء الجزائر من جميع أنحائها لحضور هذا الاحتفال وجعله على شرف ابن باديس ، كأنما ليؤكد اختيار الأمة ابن باديس لزعامتها، "و جميع الهيآت العاملة في الجمعية من مدرسين و شعب، و تمثلت فيه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بصورتها الحقيقية، و قدرتها الانشائية، و حضرها نحو عشرون ألفا من أتباعها، و وفود من تونس و مراكش، و قد أربكت هذه الجماهير السلطات الفرنسية و تركتها في حيرة من أمرها، فقادت الإبراهيمي وغيره إلى ساحة القضاء متهمة إياه "بالقيام بمسيرة غير مرخص بها، أما المسيرة المذكورة فهي أن أهالي تلمسان خرجوا إلى محطة القطار لاستقبال ابن باديس وغيره من العلماء القادمين من شرق البلاد وكانوا بين ستمائة إلى سبعمائة شخص ، وكانت المسيرة تضم حوالي ثلاثة آلف شخص.. وأقيمت المحاكمة وأدلى الشهود بشهاداتهم نافين عن الإبراهيمي أي دعاية لتلك المظاهرة..ولكن أهالي تلمسان محبة للعلماء وتشوقاً لهم نزلوا كلهم لملاقاة الضيوف وزاد الشيخ عليهم تأكيداً أن يتفرقوا وأبى الناس إلاّ مرافقة العلماء بالتسبيح والتكبير".
و قد وقعت على شريط مرئي قصير يصوّر جوانب من ذلك اليوم:
و هذه صورة لأبرز أعضاء الجمعية عند مدخل دار الحديث:
و قد أتحف كاهن الشعر، و كميت الطائفة الناجية، محمد العيد آل الخليفة بقصائد لقيت استجادة عند الحضور، واحدة منها سمّاها :"تحية دار الحديث" و التي مطلعها:
أحيّي بالرضى حرما يزارُ **** و دارا تستظلّ بها الديارُ
و هذا قصيدة أخرى لها أنقلها كاملة من ديوانه:
دعاك الأمل
نظم الشاعر هذه القصيدة في تلمسان بمناسبة حفلة تدشين دار الحديث
(قلت –زكي التلمساني- و لَكَمْ تعجبني هذه القصيدة برقّتها البادية، و نغمتها السارية، و ما فيها من التلويح للقيام بالثورة و الاستنهاض للأخذ بأسبابها، و من المعلوم عند عامّة العقلاء أن كل ثورة مسلّحة يجب أن تسبقها ثورة فكرية، و هذا ما دأبت عليه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فكيف ينكر فضلها و دورها المنكرون ؟!!!)
دَعَاكَ الأَمَلْ ******* لخَيرِ العَمَلْ
فخلِّ الونى ******* و قُمْ عن عجلْ
أضعنا المُنى ******* بفُرط المُهَلْ
فهلْ نفخةٌ ******* تُزيل الفشلْ ؟
و هل صرخةٌ ******* تهزُّ القُلل ؟
~~//~~
رجالَ الحِمى ! ******* حِماكم سألْ
فلبّوا الحِمى ******* كجُند نَسَلْ
و سيْل همى ******* وغيثٍ هطلْ
أراه احتمى ******* بكُم و احتفلْ
فحُلُّوا الحُبى ******* و شُدّوا العُضَلْ
و ضُمّوا القُوى ******* و لمّوا الكُتلْ
عَلاَمَ الجَفا ؟ ******* و فيم الدَّغلْ ؟
إِلامَ الوَنى ؟ ******* و مِمَّ الوَجَلْ ؟
و فينا دمُّ ******* صفا و استقلْ
دمُّ لم يُضعْ ******* سُدى أوْ يُطلْ
زكا في الأولى ******* زَكَوْا في الأُوََلْ
و منهم جرى ******* لنا و انتقلْ
و فينا يدٌ ******* أبتْ أن تُغَلْ
بها في الوغى ******* رددنا الغِيَلْ!!
و كمْ في العُلى ******* لنا من مَثَلْ ؟
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ